محمد أبو زهرة

1509

زهرة التفاسير

تكاثرت أسباب الرهبة ، وأخبار الاستعداد ، فهذا موقف آخر ، وإن كان الذين نالوا الفضلين طائفة واحدة ، وذلك الموقف هو أن أبا سفيان ومن معه لما رجعوا لا يلوون على شئ ، قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : موعدكم بدر القابل فقبل النبي ذلك التهديد ، وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة ، وكان تجار قريش يقدمون إلى بدر في ذي القعدة ، ويسمون ذلك بدرا الصغرى ، فاستعد النبي صلى اللّه عليه وسلم للقائهم بعد نحو شهر من أحد ، وخرج أبو سفيان في أهل مكة ولكن ألقى اللّه الرعب في قلوبهم ، فبدا له أن يرجع ، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا ، فقال : يا نعيم إني أوعدت محمدا أن نلتقى بموسم بدر ، وإن هذا عام جدب ، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ، ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي ، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل ، ويروى أن الذين دسهم أبو سفيان ليبثوا الهزيمة في قلوبهم هم ركب عبد القيس ، ويظهر أنه تكرر ذلك الدس من أبي سفيان ، ولذلك قال اللّه تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي تضافرت الأخبار من هؤلاء الناس الذين اندفعوا يثبطون ، ويقولون إن الناس - أي مشركي مكة - قد جمعوا لكم ، وكانوا يقولون في أخبارهم المثبطة الملقية بالرعب لمن لا يعتمد على اللّه تعالى وقد وجدوا المؤمنين يتجهزون للمعركة : ( ما هذا برأي ، آتوكم في دياركم وقراركم ، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا ، أفتريدون أن تخرجوا ، وقد جمعوا لكم عند الموسم ؟ فو اللّه لا يفلت منكم أحد ) فقال صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد » « 1 » فخرج في سبعين راكبا ، وقيل ألف راكب . وقوله تعالى حكاية عنهم : قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ قد حذف فيه المفعول ، فلم يقل جمعوا جيشا ، وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من

--> ( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في التفسير بلفظ : وإن رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه ، ويتبعوا ما كانوا متبعين ، وقال : « إنّما يرتحلون الآن فيأتون ولا يقدرون على مثلها حتّى عام مقبل » فجاء الشيطان فخوّف أولياءه فقال : إن الناس قد جمعوا لكم . فأبى عليه الناسن يتبعوه ، فقال : « إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضّض النّاس » .